ابن رشد

63

تهافت التهافت

شيئان موجودان بالقياس إلى وهمنا ، إذ قد يمكننا أن نتخيل مستقبلا صار ماضيا ، وماضيا كان قبل مستقبلا . وإذا كان ذلك كذلك ، فليس الماضي والمستقبل من الأشياء الموجودة بذاتها ، ولا لها خارج النفس وجود ، وإنما هي شيء تفعله النفس . فإذا بطل وجود الحركة ، بطل مفهوم هذه النسبة والمقايسة . والجواب : أن تلازم الحركة والزمان صحيح . وأن الزمان هو شيء يفعله الذهن في الحركة . لأنه ليس يمتنع وجود الزمان ، إلا مع الموجودات التي لا تقبل الحركة . أما وجود الموجودات المتحركة ، أو تقدير وجودها ، فيلحقها الزمان ضرورة ، فإنه ليس هاهنا إلا موجودان : موجود يقبل الحركة ، وموجود ليس يقبل الحركة . وليس يمكن أن ينقلب أحد الموجودين إلى صاحبه إلا لو أمكن أن ينقلب الضروري ممكنا . فلو كانت الحركة غير ممكنة ، ثم وجدت لوجب أن تنقلب طبيعة الموجودات التي لا تقبل الحركة إلى طبيعة التي تقبل الحركة ، وذلك مستحيل . وإنما لو كان كذلك ، لأن الحركة هي في شيء ضرورة . فلو كانت الحركة ممكنة قبل وجود العالم ، فالأشياء القابلة لها هي في زمان ضرورة ، لأن الحركة إنما هي ممكنة فيما يقبل السكون ، لا في العدم ؛ لأن العدم ليس فيه إمكان أصلا ، إلا لو أمكن أن يتحول العدم وجودا . ولذلك لا بد للحادث من أن يتقدمه العدم كالحال في سائر الأضداد . وذلك أن الحار إذا صار باردا ، فليس يتحول جوهر الحرارة برودة ، وإنما يتحول القابل للحرارة والحامل لها من الحرارة إلى البرودة . وأما العناد الثاني : وهو أقوى هذه العنادات ، فإنه سفسطائي خبيث . وحاصله : أن توهم القبلية ، قبل ابتداء الحركة الأولى ، التي لم يكن قبلها شيء متحرك ، هو مثل توهم الخيال أن آخر جسم العالم ، وهو الفوق مثلا ، ينتهي ضرورة : إما إلى جسم آخر ، وإما إلى خلاء . وذلك أن البعد هو شيء يتبع الجسم ، كما أن الزمان هو شيء يتبع الحركة . فإن امتنع أن يوجد جسم لا نهاية له امتنع بعد غير متناه ، وإذا امتنع أن يوجد بعد غير متناه امتنع أن ينتهي كل جسم إلى جسم آخر ، أو إلى شيء يقدر فيه بعد ، وهو الخلاء مثلا ، ويمر ذلك إلى غير نهاية . وكذلك الحركة والزمان هو شيء تابع لها . فإن امتنع أن توجد